أحمد بن محمد المقري التلمساني
136
نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب
القحط ؛ لئلّا ينسى الجياع ، وكان عمر ، رضي اللّه عنه ، يصرّ بطنه عام الرّمادة فيقول : قرقري إن شئت أو لا تقرقري ، فو اللّه لا شبعت والمسلمون جياع . فتصدّق الخليفة المستضيء بصدقات كثيرة ، وأطلق من في السجن . وقال رحمه اللّه تعالى لبعض الولاة : اذكر عدل اللّه فيك ، وعند العقوبة قدرة اللّه عليك ، وإياك أن تشفي غيظك بسقم دينك . وقال : الطاعة تبسط اللسان ، والمعاصي تذلّ الإنسان . وقال له قائل : ما نمت البارحة من شوقي إلى المجلس ، فقال : نعم ؛ لأنك تريد أن تتفرّج ، وإنما ينبغي أن لا تنام الليلة لأجل ما سمعت فيه . وقيل له : إنّ فلانا أوصى عند الموت ، فقال : طيّن سطوحه في كانون . وقال له قائل : أسبّح أم أستغفر ؟ فقال : الثياب الوسخة أحوج إلى الصابون من البخور . وسأله سائل : ما الذي وقر في قلب أبي بكر ، رضي اللّه عنه ؟ فقال : قوله ليلة المعراج « إن كان قال فلقد صدق » « 1 » فله السبق . ولمّا قال له بعضهم « سيف عليّ نزل من السماء فسعفة أبي بكر أين ؟ » أجابه بقوله : إنّ سعفة هزّت يوم الردّة فأثمرت سبيا جاء منه مثل ابن الحنفية لأمضى من سيوف الهند ، ثم قال : يا عجبا للروافض ، إذا مات لهم ميت تركوا معه سعفة ، من أين ذا المصطلح ؟ . وسئل عن معنى قوله صلّى اللّه عليه وسلّم « من أراد أن ينظر إلى ميت يمشي على وجه الأرض فلينظر إلى أبي بكر » فقال : الميت يقسم ماله ويكفن ، وأبو بكر أخرج ماله كلّه وتخلّل بالعباء . وقال في قوله تعالى وَنَزَعْنا ما فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْواناً [ الحجر : 47 ] قال علي : إني واللّه لأرجو أن أكون أنا وعثمان وطلحة والزبير منهم ، ثم قال أبو الفرج : إذا اصطلح أهل الحرب فما بال النظارة ؟ . وقال : قال جبريل لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم : سلّم على عائشة ، ولم يواجهها بالخطاب احتراما لزوجها ، وواجه مريم لأنها لم يكن لها زوج ، فمن يحترمها جبريل كيف يجوز في حقّها الأباطيل ؟
--> ( 1 ) لما سمع أهل مكة حديث الرسول عن المعراج ذهبوا إلى أبي بكر فقالوا له : أرأيت إلى ما يقول صاحبك ؟ وقصوا عليه حديث المعراج ، فقال : إن كان قال ذلك فلقد صدق .